فخر الدين الرازي

163

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

عليه الصلاة والسلام دخلت في غمار الناس ، فأول ما سمعت منه : « يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام » . وأما ما يدل على فضل السلام من جهة المعقول فوجوه : الأول : قالوا : تحية النصارى وضع اليد على الفم ، وتحية اليهود بعضهم لبعض الإشارة بالأصابع ، وتحية المجوس الانحناء ، وتحية العرب بعضهم لبعض أن يقولوا : حياك اللَّه ، وللملوك أن يقولوا : أنعم صباحا ، وتحية المسلمين بعضهم لبعض أن يقولوا : السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته ، ولا شك أن هذه التحية أشرف التحيات وأكرمها . الثاني : أن السلام مشعر بالسلامة من الآفات والبليات . ولا شك أن السعي في تحصيل الصون عن الضرر أولى من السعي في تحصيل النفع . الثالث : أن الوعد بالنفع يقدر الإنسان على الوفاء به وقد لا يقدر ، أما الوعد بترك الضرر فإنه يكون قادرا عليه لا محالة ، والسلام يدل عليه فثبت أن السلام أفضل أنواع التحية . المسألة الثالثة : من الناس من قال : من دخل دارا وجب عليه أن يسلم على الحاضرين ، واحتج عليه بوجوه : الأول : قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها [ النور : 27 ] وقال عليه الصلاة والسلام : « أفشوا السلام » والأمر للوجوب . الثاني : أن من دخل على إنسان كان كالطالب له ، ثم المدخول عليه لا يعلم أنه يطلبه لخير أو لشر ، فإذا قال : السلام عليك فقد بشره بالسلامة وآمنه من الخوف ، وإزالة الضرر عن المسلم واجبة قال عليه الصلاة والسلام : « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » فوجب أن يكون السلام واجبا . الثالث : أن السلام من شعائر أهل الإسلام ، وإظهار شعائر الإسلام واجب ، وأما المشهور فهو أن السلام سنة ، وهو قول ابن عباس والنخعي . وأما الجواب على السلام فقد أجمعوا على وجوبه ، ويدل عليه وجوه : الأول : قوله تعالى / وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها الثاني : أن ترك الجواب إهانة ، والإهانة ضرر والضرر حرام . المسألة الرابعة : منتهى الأمر في السلام أن يقال : السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته ، بدليل أن هذا القدر هو الوارد في التشهد . واعلم أنه تعالى قال : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها فقال العلماء : الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة ، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة ، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب . روي أن رجلا قال للرسول صلى اللَّه عليه وسلم : السلام عليك يا رسول اللَّه ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته . وآخر قال : السلام عليك ورحمة اللَّه ، فقال : وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته ، وجاء ثالث فقال : السلام عليك ورحمة اللَّه وبركاته ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليك السلام ورحمة اللَّه وبركاته ، فقال الرجل : نقصتني ، فأين قول اللَّه : فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها فقال صلى اللَّه عليه وسلم : إنك ما تركت لي فضلا فرددت عليك ما ذكرت . المسألة الخامسة : المبتدئ يقول : السلام عليك والمجيب ، يقول : وعليكم السلام ، هذا هو الترتيب الحسن ، والذي خطر ببالي فيه أنه إذا قال : السلام عليكم كان الابتداء واقعا بذكر اللَّه ، فإذا قال المجيب : وعليكم السلام كان الاختتام واقعا بذكر اللَّه ، وهذا يطابق قوله : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [ الحديد : 3 ] وأيضا لما